أبي منصور الماتريدي

77

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ أحدهما ] « 1 » : يحتمل قوله : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما أي : اتخذا لقومكما مساجد يصلون فيها ، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ أي : اجعلوا في بيوتكم التي اتخذتم مساجد قبلة ؛ [ فيكون في قوله : ] « 2 » أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [ الأمر باتخاذ المساجد ، ويكون في قوله : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنيانها . والثاني : قوله : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً « 3 » أي : اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي : اجعلوا في بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تتوجهون إليها ، ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة متوارثة مسنونة ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة ، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد . وقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر ببناء البيوت أمر باتخاذ المساجد واتخاذ القبلة . فإن قيل : هذا في الظاهر أمر باتخاذ المساجد ، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا ، وهو قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [ النور : 36 ] هو في الظاهر إباحة . قيل : هو أمر في الحقيقة ، وإن كان في الظاهر إباحة ، ألا ترى أنه قال : وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها . . . الآية [ النور : 36 ] ، ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر ؛ فدل أنه ما ذكرنا ، والله أعلم . وأما أهل التأويل فإنهم قالوا : إنهم كانوا يخافون فرعون وملأه ، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا خوفا من فرعون « 4 » ، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر ، وإذا كان بعد هلاكه وبعد ما استولوا وملكوا على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا ؛ أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيها وإقامة الصلاة فيها .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 4 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 597 ) عن : ابن عباس ( 17822 و 17823 و 17824 ) ، ومجاهد ( 17852 و 17826 و 17827 و 17828 ) ، وقتادة ( 17830 و 17831 ) ، والضحاك ( 17832 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 566 ) وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس ، ولأبي الشيخ عن قتادة .